يوم غائم في اللويبدة


هل تعرفون رواية "يوم غائم في البر الغربي" لمحمد المنسي قنديل؟
قرأتها منذ بضعة سنوات وأكثر ما أعجبني فيها عنوانها. أليس عنواناً موفقاً؟ فيه تمهيد بصري للحكاية يدفعنا للتخيل بمجرد رؤية الغلاف. أتخيل سماءً غائمة ونسمات قوية من الهواء وبحراً وأمواجاً ومشهداً تتفاوت فيه درجات الأزرق والرمادي.
بدون البحر والأمواج، ذكّرني مشوار حديث للويبدة بعنوان تلك الرواية.


لم يكن ذلك اليوم غائماً فقط، بل كان ماطراً أيضاً.
هيبة المطر التي تجعل الدنيا أكثر سكينة، والشوارع أقل ضجيجاً، والأشجار أكثر نظافة وانتعاشاً.



يمكن التغاضي عن مسحة الحزن أو الكآبة التي ترافق الغيمات الرمادية، والتفكير بأهمية المطر في إطالة أمد الربيع والأيام الكثيرة الجافة التي تنتظرنا في الأشهر القادمة.


وتبقى أيام الشتاء المتبقية فرصة لطيفة للكنكنة والقراءة ومعانقة الأكواب الساخنة، والتلذذ بالحلويات المشربة بالقطر والسعرات الحرارية.



اقتباس - لماذا نقرأ





"لا تقرأ من أجل المعارضة والتفنيد، ولا من أجل الإيمان والتسليم، ولا لأجل جلب الحديث، ولكن اقرأ لكي تزن الأمور وتتمعن فيها.
إن بعض الكتب ينبغي أن يُذاق، وبعضها يجب أن يزدرد، والبعض القليل خليقٌ أن يُمضغ ويُهضم ... ذلك أن بعض الكتب ينبغي أن يُقرأ منها شيء، وبعضها ينبغي أن تُقرأ ولكن ليس بالحرص التام، وقليلة هي تلك الكتب التي يجب أن تقرأ كاملة وبكامل الاجتهاد والانتباه".


- فرانسيس بيكون، المقالات.






جمعة شتوية مشمسة


بعد عدة أسابيع غائمة وباردة ودعاية متكررة لمنخفضات مثلجة لا تصل أبداً، يقولون أننا سنحظى بأيام مشمسة هذا الأسبوع، وهذا يجعلني متشوقة جداً للربيع. أفرك كفيّ حماسة لرحلات قادمة، ومسارات مشي طويلة، ولرؤية شيء من الغطاء النباتي وأشجار حرجية وأزهار برية وأعشاب خضراء فاقعة بعيداً عن ضوضاء المدينة (أو شبه المدينة).
أحتاج لشيء أتطلع إليه بعد هذا الشتاء - العصيب قليلاً- .



قضيت اليومين الماضيين في المنزل مستمتعة بأشعة الشمس التي تنسل من زجاج النوافذ، وأنجز بعض المهام. أحرر صوراً التقطتها لحفلة صديقتي العزيزة نور، وأرتب غرفتي وأكتب الرسائل وأقرأ في بعض الكتب المركونة بجانب سريري.
لا يبدو ذلك سيئاً، أليس كذلك؟ :)






مسؤولية المثقف


قامت صديقتي بإعارتي كتاب "مسؤولية المثقف" منذ فترة. شعرت بنوع من الإطراء أنها أحضرت لي الكتاب وظنّت أن علي أن أقرأه. بصراحة عنوانه يوحي لي بأنه من الكتب التي يمكن أن أقرأها في مراحل لاحقة، ففي حال كنت وجدته في معرض الكتاب على سبيل المثال فإني سأشعر أن شرائي ذلك الكتاب تصرفٌ فيه كِبر خفي (أو ربما جليّ) وشعور بالنخبوية .. حسناً، ربما تلك مغالاة في التفكير. بكل الأحوال قرأت الكتاب، فهو من صديقة عزيزة، وتأليف علي شريعتي، كما بدا لي كتاباً سريعاً لنحوله النسبي.


“مسؤولية المثقف” هو الكتاب الثاني الذي أقرأه لعلي شريعتي بعد “النباهة والاستحمار”. الكتاب كتاب فكري يتناول قضايا ذات صلة بعلم الاجتماع. كتب مقدمة طبعة دار الأمير أحد علماء الاجتماع في إيران وهو الدكتور غلام عباس توسلي. جانب توسلي التوفيق عندما أطال في قرابة ال ٤٠ صفحة في التقديم لشريعتي، في الوقت الذي كان متن الكتاب لا يتجاوز ال ١٥٠ صفحة. 

على الرغم من أن عدد صفحات الكتاب قليل نسبياً، إلا أن شريعتي تمكن من تقديم محتوى فكري أصيل ودسمٍ. أستطيع أن أتخيل كم كان هذا العمل ريادياً ومستحدثاً في الوقت الذي كتب فيه الكتاب. واللافت أنه لا يزال ذا صلة وثيقة بالحاضر، ولا أرى محتواه لاغياً أو غير صالح في المستقبل أيضاً، فهو يصلح أن يكون من الكلاسيكات. 

تدرج الكاتب في طرح أفكاره بشكل منطقي ومتسلسل، فقدم خلفية تاريخية، واستخدم المقارنة والمقاربة وتدريجياً بنى نظرياته الخاصة بالاستناد على ذلك. بدأ الكتاب بتناول ظهور طبقة المثقفين وكيفية نشأتها في أوروبا في القرن السابع عشر، والسمات التي كانت تتصف بها تلك الطبقة، ثم ناقش إمكانية نشأة طبقات موازية في أماكن مختلفة في العالم وفي أزمنة مختلفة في ظروف تتشابه أحياناً وتختلف في أحيانٍ أخرى. كما طرح موضوع مسؤولية المثقف، صلته بمجتمعه والدور الذي عليه أن يلعبه فيه. 
أحببت الجزء الأخير من الكتاب الذي خُصص لتوثيق محاضرة لشريعتي أجاب فيها على أسئلة الحاضرين. الأسئلة كانت جيدة وعميقة والإجابات كانت قوية كذلك.

في العادة أشارك الاقتباسات التي أعجبتني في الكتب التي أقرأها. وجدت نفسي مع كتاب “مسؤولية المثقف” معجبة باقتباسات طويلة لم أستطع تجزئتها أو اقتطاعها لكي لا أفسد الفكرة. التالى بعضة اقتباسات مما قرأت:


“ توجد اليوم نظرة عالمية ورابطة عالمية، فكيف يصح الحديث عن القومية والاعتقاد بها؟
إن هذه القومية التي أؤمن بها ويؤمن بها أمثالي ليست القومية التي بدأت نشاطها بمقاومة الحركة العالمية، وليست انغلاقاً على الذات وبُعداً عن العالم، لا تعني الابتعاد عن الذين يعانون آلامي أو يعتنقون نفس أفكاري لكنهم  ليسوا في إطار قوميتي. والقومية بمعناها الكلاسيكي عبارة عن: الاستناد على خصائص قومية وعرقية، لكن القومية التي أنادي بها لا تعني هذا، القومية التي أؤمن بها هي الاستناد على الشخصية الثقافية والروحية للذات والوطن، وهي مختلفة، ومن يستند على الخصائص العرقية والقومية ليس مسلماً، ولا يمكن أن يعتنق مسلم هذا المبدأ، هذه جاهلية وفاشية. لكن ذلك الذي يستند على ثقافته و روحانياته وشخصيته الاجتماعية إنما يقوم بعمل إنساني في مرحلة بشرية، ففي زمن ما أكون مرتبطاً بمجتمع خاص، فمن الناحية القومية أنا مرتبط بإيران، ومن الناحية الدينية أنا مرتبط بالإسلام وأملك هذا التاريخ الخاص والثقافة الخاصة. والآن نرى بأنني وأمثالي في كل المجتمعات من إسلامية وغير إسلامية قد أصبنا بنوعٍ من التمزّق والانفصال عن ثقافتنا القومية وعن شخصيتنا القومية، أي صرنا بشراً بلا شخصية، لأن شخصية الفرد عبارة عن الاسس التي يأخذها من تاريخه وثقافته ، هذه هي خلاصة الشخصية الاجتماعية، وعندما أصبح غريباً عن ثقافتي وديني وتاريخي فإنني أفقد الشخصية الإنسانية. وحين أكون بلا ثقافة أو شخصية قومية بالمعنى الذي قلته وبلا تاريخ وبلا دين، أي فرداً خالياً من المحتوى وبلا أساس روحي، فاقداً للتمييز والمنطق وقدرة الاختيار، وأشركت نفسي مباشرة في حركة عالمية، حركة فكر إنسانية، فمن الذي سوف يستفيد من هذه الشراكة في الفكر العالمي أو فكر المساواة الإنسانية؟ بالطبع هو الذي يملك كل شيء ، عندما يريد فقير لا رأسمال عنده ولا شخصية أن يمد يده المساواة والأخوة إلى إنسان يملك كل شيء، ويملك قدرة الاختيار والقوة والشخصية، فأي يد المساواة تكون هذه اليد؟ هي يد سيطرة من يملك على من لا يملك. “



“ سائق سيارة الأجرة في فرنسا الذي يعمل سبع ساعات ويضطجع سبع عشرة ساعة، وكل أموره مؤمنة ومضمونة، هل وصل إلى هذا الأمر من ساعات عمله؟ أم من نهب إفريقيا؟ مما يبعون البندورة في نفس باريس بخمسة قروش لكل كيلو لأنهم يجلبونها من إفريقيا. مما اكتروا غابات البن في تشاد مجاناً، أربع إفريقيين يعملون له البن هناك، وهو يدفع خمسين توماناً وبعد أيام يربح خمسة ملايين تومان، وبعدها يقول أن رب العمل كان منصفاً فقد أعطى لهم مالاً كثيراً. إنه لم يعطه من كيسه الخاص وإنما من يعطي المال المنهوب وليس من ماله.”

أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ


بعد انقطاع لأسباب متعددة، بعضها يعود للترهل والتسويف و بعضها الآخر قاهرٌ وخارج عن إرادتي، أعود لفسحة التدوين اللطيفة التي افتقدتها وبشدة الفترة الماضية.


كان لدي خطة طموحة للمباشرة بداية هذا العام والتدوين بانتظام لكن جسمي أعلن الاستنفار منذ عدة أشهر وأدخلني حالة الطوارئ منذ أسابيع قليلة. كانت تجربة المستشفى غريبة حقاً، وسأعفيكم من منشور مكرر آخر بجمل قد تبدو مستهلكة عن قيمة الحياة، وأهمية الصحة ومباغتة المرض وعدم التأجيل ظناً منا أننا نمتلك الكثير من الوقت ... هذا لا يعني أنني لم أخرج بتلك الدروس القيمة من أزمتي الصحية. لكن للأسف، أميل للتفكير أن دروساً كهذه لا نحصل عليها إلا من "كيسنا". مهما قال لنا الآخرون ونصحونا لن نشعر ب "الحامي" حتى تسود حياتنا حالة من الترقب المضطرب لا تكون فيها النهايات السعيدة مضمونة. عندها ندرك أننا فعلاً لا نملك متسعاً من الوقت، والتأجيل وطول الأمل يبدوان لنا ضرباً من السذاجة.

اختصاراً لكثير من التفاصيل سأكتفي بالقول أني بخير وصحتي في تحسن الحمد لله. إن شاء الله أنها أزمة وعدّت خرجت منها بعدة ملاحظات وانطباعات:
  • بالإضافة إلى أن القطاع الطبي متخبّط ومتفاوت في درجات المهنية والإنسانية، لا داعٍ لإحاطة الأطباء بهالة إضافية من التقدير والاحترام. 
  • الموروث الشعبي وتجارب الآخرين أكثر إفادة وبعثاً على الطمأنينة من الطب الحديث.
  • يُستفزّ الأطباء من وعي المريض/المريضة في حال بحثوا عن أمراضهم، أو قرأوا عنها أو شاهدوا برامج وثائقية. 
  • يستغرق الوصول إلى التشخيص الصحيح وقتاً أطول من المتوقع. تشخيص مثل: توتر، نفسية، قولون هو الطريق المختصر الذي يحصل عليه عشرات (إن لم يكن مئات أو حتى آلاف) المرضى يومياً. لذلك علينا أن نثق بحدسنا وأن نصغي لأجسامنا ونلاحظ الأعراض المتكررة. 
  • في باطن المحن رحمات كثيرة. مشاعر عذبة نراها في الأعين القلقة لمن نحب، ورسائل الاطمئنان شبه اليومية من الأهل والأصدقاء، وباقات أنيقة من الورد وأحواض نباتات يانعة.

ص. ب


بالإضافة إلى حجرات الهواتف الحمراء والتاكسي الأسود والباص الأحمر ذي الطابقين، يعتبر صندوق البريد الأحمر المنتشر في شوارع لندن أحد الأيقونات الأساسية للمدينة.


على عكس حجرات الهواتف الموجودة فقط للزينة، فإن الصناديق الحديدية الصلبة لا تزال لها قيمة وظيفية لسكان المدينة ومستخدمي البريد.
نظراً لتجربتي مع البريد الأردني، ولأني لم أكن أرى موظفي البريد يفرغون الصناديق خلال النهار بدا لي وضع رسائلي في تلك الصناديق البريدية كرمي كلماتي في المجهول. لكن تبين أن الموضوع جدير بالثقة لأن العاملين في البريد يفرغون تلك الصناديق بشكل دوري ومنتظم.


ونظراً لوجود الكثير من المتحمسين لفكرة التراسل، واحتفالاً بوصول عدد المتابعين على حسابي على الانستجرام إلى خمسة آلاف متابعة ومتابع (شكراً جزيلا!)، اشتريت خمس بطاقات بريدية ظريفة على شكل صندوق بريد لندن.


سأحتفظ بواحدة منها للذكرى، وأعرض الأربعة الباقية على أربعة أصدقاء راغبين بالحصول على بطاقة بريدية لهذه الأيقونة اللندنية.
إن كنتم تودون الحصول على واحدة اكتبوا تعليق على هذه التدوينة توضحون فيه متى بدأتم المراسلة ولماذا تحبون التراسل البريدي قبل يوم  السبت الموافق ٢٩ من تموز. سأقوم بعمل سحب على حسابي على الانستجرام يوم الأحد الموافق ٣٠ تموز والتواصل مع الفائزين لأخذ عنواينهم البريدية.

شروط الاشتراك في المسابقة:
١. أن يكون لديكم عنوان بريدي
٢. أن تكونوا متابعين للمدونة
٣. للحصول على فرص إضافية في السحب، يمكنكم مشاركة الرابط على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى (انستجرام، تويتر، فيسبوك) وكتابة أنه تمت المشاركة في تعليق منفصل.
٤. المسابقة مفتوحة لجميع سكان الكرة الأرضية :)


رائحة الخزامى


٢٥ هكتار من الأزهار البنفسجية المعطرة، انتشرت في صفوف متوازية تشكل طبقات وطبقات من الجمال والرائحة العطرة. الكثير من النحل والعديد من الوجوه السعيدة من مختلف الأعمار انتشرت على امتداد الحقل المفتوح للعامة مقابل جنيه استرليني واحد "دخولية".


يفتح الحقل أبوابه من منتصف شهر حزيران حتى شهر أيلول، ويقال أن أفضل وقت لزيارته هو شهر تموز لأن الأزهار تكون متفتحة ويانعة.


لا أدري ماذا كان المبهر أكثر في حقل الخزامى؟ اتساعه وامتداده على مد البصر؟ حجم الحقل الشاسع؟ رائحته الزكية؟ أم طاقة المكان الإيجابية لأن كل من كان موجوداً كان سعيداً بشكل غريب، أو ربما الألفة الموجودة في الحقل.


ربما أشرت في تدوينات سابقة أن الأماكن الأليفة تأسرني. والمكان الأليف هو المكان الذي يستطيع أن يذهب إليه أي إنسان ولا يشعر بأي شكل أن المكان غير مناسب لعمره، أو خلفيته، أو معتقداته، أو طبقته الاجتماعية أو احتياجاته الخاصة سواء كانت ظرفاً صحياً، أو مشكلة حركية، أو غيرها.




بالإضافة إلى الأزواج الشابة الذين يلتقطون صور تذكارية من فترة خطوبتهم، والعائلات المصطافة القادمة من مختلف أنحاء العالم، هناك أيضاً الكثير من الأطفال الصغار بملابس صيفية زاهية مع أمهاتهم المرهقات اللواتي تبدو عليهن قلة النوم وأقاربهم المتحمسين لالتقاط صور لهم لوضعها في غرفة الجلوس أو على معايدة عيد الميلاد القادم :)


بالطبع المشروع ليس قائماً فقط على زواره الموسميين فترة الصيف. هناك أيضاً منتجات عديدة تباع في المطعم الصغير الملحق بالمكان، ومتجر فيه صابون وعطور وأزهار مجففة وأشتال.
وبالنظر إلى حجم الحقل وكثرة الأزهار والنحل، أتوقع أن يكون هناك محاصيل تجارية من العسل والزيوت العطرية وغيرها.


إن كان هناك أي مستثمر يرغب في عمل مشروع مشابه في الأردن بأنا مستعدة لمشاركته :)

هيا نتراسل


في آخر زيارة لكم إلى مكتب البريد، من الأرجح أنكم وجدتم طابوراً من المراجعين الذين يريدون دفع فواتير الماء والكهرباء، و قد تجدون بين الفنية والأخرى طالبة جامعية تسأل عن إرسالية بريدية لها لأغراض تم شرائهم من أحد المواقع الإلكترونية. إلا أن ذلك لا يعني أن "مكتب البريد" لم يعد مكتباً بريدياً؛ فعلى عكس ما يتصور كثير من الناس، لا يزال هناك العديد من الأشخاص الذين يتواصلون بالرسائل الورقية والبطاقات البريدية. 


على مدى الأشهر (وحتى السنوات) الماضية، سئلت كثيراً عن هذه الهواية العزيزة على قلبي. في هذه التدوينة سأرد على أكثر الأسئلة تكراراً، وفي حال كان لديكم المزيد من الأسئلة، رجاء لا تترددوا بكتابة أسئلتكم في التعليقات.


- لماذا التراسل البريدي؟
لأنه وسيلة أصيلة ومناسبة للذين يشعرون بالنوستالجيا لزمن لم يعرفونه. الزمن الذي يجلس فيه الأصدقاء والأحباب ويخصصون وقتاً لكتابة مشاعرهم وأفكارهم على الورق، تسافر كلماتهم ليس فقط جغرافياً من مكان لآخر، وإنما تسافر بالزمن أيضاً. لا تتناثر في الأثير التكنولوجي وإنما تبقى ذكرى محفوظة إلى جانب ألبومات صور الطفولة وذكريات الماضي التي اختارت الذاكرة أن تكون انتقائية وتسترجع منها الجميل فقط.
من جرّب التراسل البريدي يعرف لذة الترقب الذي يرافق وصول مكتوب ما، وتلك الفرحة عند فتح الصندوق البريدي ورؤية المظاريف أو البطاقات البريدية الملونة مزدانة بالطوابع والكلمات اللطيفة. ناهيك حماسة فتح الرسالة وقراءة الصفحة الأولى .. التاريخ، الجملة الافتتاحية، المحتوى بأكمله كتب خصيصاً لكم.

- "ما هو العنوان البريدي"؟
في بعض الدول يكون عنوان المنزل هو نفسه العنوان البريدي. يكون هناك خدمات بريدية وساعي بريد معين لكل منطقة يقوم بتوزيع الرسائل والطرود بعد فرزها من البريد المركزي، كما هو الحال في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول المغرب العربي. 
أما عن الدول الأخرى - والأردن منها - يقوم الأشخاص المهتمون بالاشتراك بالبريد مقابل رسوم سنوية وعليهم الذهاب إلى مركز البريد وتفقد صناديقهم شخصياً كل فترة. العنوان البريدي يكون في هذه الحالة رقم الصندوق في مكتب البريد والرمز البريدي للمنطقة التي يقع فيها المكتب بالإضافة إلى اسم المدينة واسم البلد.
مثلاً الرمز البريدي للمدينة الرياضية يختلف عن الرمز البريدي لتلاع العلي. غالباً ما يقوم الأفراد بالاشتراك بمكاتب البريد القريبة من بيوتهم ويمكن أيضاً استخدام العنوان البريدي لمكان العمل (في حال وجود عنوان بريدي للشركة أو المنظمة).

- من تراسلين؟ كيف تعرفت على أصدقاء المراسلة؟
لا تقتصر المراسلة على إرسال رسائل لمن نعرفهم فقط. من اللطيف تبادل رسائل مع غرباء يصبحون أصدقاء مع الزمن.
ساعدني انستجرام على إيجاد شبكة من الأشخاص المهتمين بالتراسل من أنحاء العالم. وسوم خاصة بالبريد مثل snailmail, postcardswap, penpalsneeded وغيرها تعرفكم على أشخاص لديهم نفس الاهتمام. في البداية يجب أن تكونوا مبادرين وأن تسألوا أصحاب تلك الحسابات إن كانوا يرغبون بتبادل الرسائل معكم، وبعد فترة ستلاحظون أنكم بدأتم بتلقي تلك الطلبات أيضاً.


- ماذا ترسلين إليهم؟ ماذا تكتبين؟
يعتمد محتوى الرسالة على درجة المعرفة. في المراحل الأولى تكون الرسائل تعارفية عن الاسم والعمر، المهنة والهوايات والمدينة التي يسكن فيها مرسل الرسالة. المدن والبلدان تأخذ حيزاً لا بأس به، وهو أمر لطيف لأنه يعرّفنا على مدن جديدة (غالباً ما تكون غير سياحية أو ذات صيت) بعيون سكانها المحليين من خلال وصفهم للحياة اليومية. ويعتمد على التفضيلات الشخصية فيما بعد على ما ترغبون بمشاركته مع "أصدقائكم" الجدد. هم أصدقاء لكنهم غرباء وهناك أمر باعث على الراحة في ذلك، أشخاص بلا أحكام مسبقة أو توقعات لديهم رغبة بسماع ما تريدون قوله ومشاركتكم بأمور من حياتهم الشخصية أيضاً.
أحب في العادة أن أرسل مع الرسائل بطاقات بريدية عليها اقتباسات قرأتها وأحببتها، ومن المثير للاهتمام أني في كثير من الأحيان أحصل على ردود لطيفة بأن توقيت الاقتباس كان مواتياً لأن المرسل إليه\إليها كان يمر في مزاج يحتاج فيه لسماع (أو بالأحرى قراءة) تذكير أو نصيحة أو إلهام كالذي وصله \وصلها ذلك اليوم.

ومن المتعارف عليه أيضاً عند السفر أن يرسل الناس بطاقات بريدية من الأماكن التي زاروها، وغالباً ما تكون تلك الأماكن سياحية جداً (ولا تكون البطاقات البريدية مميزة كثيراً، صور لمناظر من تلك المدن)، ولا داعي لأن توضع في ظرف، يمكن أن ترسل مباشرة، فقط على المرسل أن يكتب عنوانكم البريدي ويضع الطوابع المناسبة.


اللطيف في البطاقات البريدية السياحية نقطتان:
١. فكرة أن الشخص تذكرك في سفره \سفرها
٢. الطوابع البريدية لذلك البلد

- كيف ترسل الرسائل؟
لنتحدث الآن عن الجوانب التقنية؛ الموضوع بسيط، فقط علينا أن نعرف كيف نكتب العناوين البريدية. هناك طريقتان:
١. يمكن كتابة اسم وتفاصيل المرسِل على وجه الظرف وعنوان المرسَل إليهم على الظهر


٢. أو يمكن كتابة كل من عناوين المرسِل والمرسَل إليهم على نفس الجهة وهي "ظهر" الظرف

عنوان السكن هو العنوان البريدي

العنوان البريدي (في أحد مراكز البريد)
أتمنى أن تشجعكم هذه التدوينة على دخول عالم التراسل البريدي :) وكما أشرت سابقاً، إن لديكم أي أسئلة أخرى، رجاء لا تتردوا في السؤال. 
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...