على حساب من؟


هل سبق وأن شعرتم أن لديكم الكثير من الأفكار حول موضوع ما، وأنكم عندما تحاولون أن تشرحوها للآخرين (والأنكى عندما تكونون في موقف دفاعي أو تبرري) تخذلكم الكلمات؟
دائماً تحصل معي ..

يظن بعض أصدقائي ومعارفي أني أجيد التعبير عن نفسي في التدوين أو الرسائل الصوتية في سرد القصص، لكني لا أشعر ذلك .. بتاتاً.
ودائماً أقع في فخ توقع أن الآخرين يعرفون، وأن ما أراه مبادئ مهمة في الحياة مسلمات يعرفها الجميع. لكني في كل مرة أتفاجأ من أني يجب أن أشرح شرور الاستهلاكية، والنظام الرأسمالي العالمي، علي أن أتحدى خطاب الكراهية تجاه اللاجئين والمهاجرين، والحديث عن حقوق العمال وخصوصاً العمالة الوافدة وأنهم ليسوا بشر من الدرجة الثانية أو الثالثة .. ومن هول الصدمة والمفاجأة تخونني الكلمات وأنام حزينة ذلك اليوم ومصابة بخيبة الأمل.

بنفس مقدار الغضب والحزن والقلق والظلم الذي يقدمه محتوى الفيلم الوثائقي "الكلفة الحقيقية"، إلا أنني سعيدة من أن صناع الأفلام تمكنوا من إنتاج فيلم غني وذا رسالة توعوية بالغة الأهمية حول ما يسمى "الموضة السريعة". رسالة قوية ومثرية قدمت من خلال توليفة جميلة من المقابلات والاقتباسات والشخصيات المؤثرة في مناطق مختلفة من العالم.


على الرغم من أن هناك الكثير من الحيثيات الصادمة حول الأخطار البيئية والأمراض المترتبة وتغلغل عدم العدالة في "النظام" ككل، إلا أن ذلك يجب ألا يشعرنا بالعجز.

من المهم عدم التقليل من قدرتنا كأفراد على التغيير، وإن كان على الأقل عدم المشاركة في القضاء على الكوكب من قريب أو من بعيد. الموضوع كأثر الفراشة! لا بد من التفكير في عدد الأيدي التي لمست قطعة الملابس المشتراة والتي لا نحتاجها في معظم الأحيان. شيماء سيدة بنغالية قوية ولديها همة عالية تعمل في مصنع ينتج ملبوسات للتصدير، تقول في أحد المقاطع كلمات مؤثرة مشوبة بالدموع على اثر حادثة رانا بلازا: "نحن ننتج تلك الملابس بدمائنا .. كيف يرضى الناس ارتداء ملابس مصنوعة بالمعاناة والدماء؟"

وعليه، من المجدي التفكير في الجدوى الحقيقية من شراء ملابس توهمنا بأننا أغنياء وأن لدينا قوة شرائية لكنها في الحقيقة تجعلنا أكثر فقراً وبؤساً. بالانقياد للاستهلاكية فإننا نزيد من الطلب على سلع أنتجت بأبخس الأثمان على حساب مستضعفين يدفعون ثمناً باهظاً من صحتهم ونوعية حياتهم وعلاقاتهم مع أسرهم لإنتاج ملابس متدنية الجودة لن تكون ذات فائدة تستحق الذكر والمستفيد الوحيد هو صاحب العلامة التجارية الذي تزداد جيوبه تورماً بالأموال.




الفيلم يستحق المشاهدة بلا شك، وكما هو مذكور في الفيلم؛ مشاكل هذا العالم تبدو أكبر من قدرة المرء على الاستيعاب، لكن لا بد أن نفعل شيئاً حيال تلك المشاكل والتحديات .. على الأقل يمكننا أن نبدأ بالملابس.

في المرة القادمة التي سأشتري فيها شيئاً .. سأفكر ملياً .. ملياً جداً.


هل كان الناس سابقاً أكثر احتراماً للمواعيد؟


عندما كنت في لندن، كان لدي صديقة إيطالية لطيفة اسمها مارتا. مارتا لم تكن فقط زميلتي في التخصص، بل جارتي أيضاً في السكن الجامعي الذي كنت أسكن فيه. ولأنها من إحدى دول حوض المتوسط، كنا نشعر بشيء من التقارب، نمشي معاً من وإلى الجامعة بشكل دوري، نتقاسم الفاكهة على الطريق ونتبادل الأحاديث عن الدراسة والطعام والعائلة ونتندّر (أحياناً) على برود الأوروبيين الغربيين وإيقاع الحياة السريع في دول الجزء الشمالي من العالم. 

كان لدى مارتا حس فكاهة لطيف، كانت مضحكة دون أن تكون لئيمة أو تسيء إلى أحد، وكانت تروي القصص بشكل جميل وجذاب حافل بالتفاصيل بلغة إنجليزية سليمة وبلكنة إيطالية ثقيلة. أتذكر جيداً قصص مارتا التي كانت تخبرني فيها عن جدتها. أحد تلك القصص التي لم أنسها أبداً، أخبرتني فيها مارتا عن نظرية من نظريات الجدة.

في أحد اجتماعات العائلة وفي نوستالجيا متوقعة إلى عقود غابرة مضت، تشير الجدة إلى أن الناس يميلون لأن يكونوا أكثر احتراماً لكلامهم ولمواعيدهم كلما قلت وسائل التواصل لديهم.
تروي الجدة أنه في طفولتها، كانت الطقوس مقدسة، عندما يقال؛ تجتمع العائلة بعد قداس الكنيسة يوم الأحد فإن العائلة قاطبة تعرف الموعد والجميع يأتون إلى الموعد. لا حاجة "للتأكيد على الموعد" ولا يتخلف عنه أحد إلا لظروف قاهرة جداً يعرفها الجميع. وبعد انتشار الهواتف الأرضية، صار الناس يتفقون على الاجتماعات واللقاءات عبر المكالمات الهاتفية، مع وجود إمكانية لتأجيل أو إلغاء الموعد عدة أيام مسبقة وكان من اللياقة ذكر السبب بالتفصيل.

أما الآن - تقول الجدة - فإن الناس فقدوا أخلاقيات التعامل مع الهواتف الذكية التي بحوزة الجميع كباراً وصغاراً. لا يوجد احترام لوعد أو كلمة، وهناك استخفاف متزايد بالمواعيد وأوقات الآخرين. ففي آخر لحظة وبشكل جبان - على حد تعبيرها - يقوم الناس بإرسال رسائل نصية مقتضبة وقت الموعد أو قبله بقليل يعتذرون فيه لأسباب واهية مبهمة، أو في أحسن الأحوال يقولون أنهم سيتأخرون وأنهم عالقون في زحمة السير. 

كلما خذلني أحد، أو ألغى موعداً في آخر لحظة، أو تركني أنتظر وحيدة،  أتذكر جدة مارتا. أتفق معها ودون الحاجة إلى دراسة أو بحث علمي يثبت فرضيتها أدعم نظريتها وأتبناها.


أتعرفون ما هو أكثر جزء أحببته في نظرية الجدة؟ "الجبن" .. أنها وصفت أؤلئك المتخاذلين بأنهم جبناء.
ليس من اللباقة الإدعاء بأن موعداً ما مناسب، أو أن اقتراحاً للقاء ما نال إعجاباً في الوقت الذي يضمر فيه السامع أنه لن يأتِ. 
من المضحك الآن أن قول كلمة "لا" باتت شجاعة. بالتأكيد سنقدر "لا" صريحة تعبر عن حاجات وميول صاحبها/صاحبتها عن "نعم" مجاملة ومتقاعسة ستخذلنا في آخر لحظة.

الذي ذكرني بقصة جدة مارتا مؤخراً عدد من المواجهات مع أهل، وأصدقاء، وغرباء في أوقات متباعدة وفي سياقات مختلفة. 

على سبيل المثال؛ لدينا أربع من القطط الصغيرة التي عرضناها للتبني في محاولة لتوفير حياة كريمة لمخلوقات بالغة الظرافة والهشاشة في آن واحد. من خلال مقطع فيديو قصير أعلنت على حسابي على انستجرام أن القطط الصغيرة معروضة للتبني. وصلني الكثير من الطلبات وكم هائل من الحماس والاستلطاف للفكرة، لكن عند الجد، مأساة .. لا احترام للمواعيد، استخفاف بوقت الآخرين، عدم جدية واضح في التعامل مع الأمر .. كانت خيبة أمل كبيرة.
حتى أن تلك التصرفات خلقت عندي ردة فعل عكسية تجاه أؤلئك الأفراد، وأصبح لدي شعور بأنهم مستهترون لن يتحملوا مسؤولية أرواح القطط وسيقضون عليهم بلا مبالاتهم الواضحة. 


أما عن خيبات الأمل الاجتماعية، فإن الحديث يطول. 
في جلسة حديثة العهد مليئة بالاستياء من نفس الموضوع، كان هناك أشخاص من أجيال مختلفة، بعضهم في أوائل الخمسينات وآخرون في العشرينات من عمرهم، المعظم لديهم تجارب متشابهة. كان الأصغر سناً يقولون أن الخلل في "جيل هذه الأيام" لكن يبدو أن الموضوع أعقد من ذلك فهو يطول المجتمع بكافة أطيافه.
كان هناك إجماع بأن العلاقات الإنسانية مجهدة، ببساطة .. علينا الاعتراف بذلك. القرابة والصداقة والزواج ..كلها علاقات تحتاج إلى مجهود ولا يوجد علاقات سليمة تلقائية أو استحقاقات دون أن يبذل الطرفين جهداً للتقارب والتآلف.
قالت إحداهن في تلك الجلسة جملة أعجبتني. قالت أن المسألة ليست وجود وقتٍ أو عدمه، الموضوع موضوع أولويات.


بالطبع هناك ظروف طارئة، وأعذار مقنعة، لكن إحصائياً وبالتماشي مع قانون الاحتمالات .. ما هي فرصة تكرار تلك الظروف القاهرة التي تطرأ في اللحظة الأخيرة؟

لذلك، ولنضع الأمور في نصابها:
التخلف عن المواعيد في آخر لحظة، الحنث بالوعود والاختفاء بعد أي اتفاق دون قول نعم أو لا .. كلها تصرفات أنانية لا تحترم الطرف الآخر. 
من المعلوم عند أخذ موعد أو الاتفاق على أمر ما، فإن هناك طرفاً يأخذ من وقت الشخص الآخر، يحجزه في وقت محدد من يوم معين، ويلغي كل خططه لأجل ذلك الشخص لأنه أعطاه أولوية. 
وعليه فعند إلغاء الموعد في آخر لحظة فأنت تقول له/لها: "أنت لست مهماً/ مهمةً بالنسبة إلي حتى أتفرغ للقائك وأترك ما أفعله حالياً على الرغم من أني أعلم أنك قمت بإلغاء كل خططك ومواعيدك ذلك اليوم للقائي." أنت تقول لهم بوضوح أنهم ليسوا أولوية بالنسبة إليك ولا يعني لك وقتهم شيئاً.

سأنهي تدوينة الفضفضة هذه بتوجيه شكر إلى هناء وناديا وخالتو ميسون .. أنتن رائعات! التزامكن مصدر إلهام .. أشكركن على الحب والتفاني واحترام الوقت وتقديس مواعيدنا، أنتن قدوة بالنسبة إلي وأعدكن أن أبادلكن ما تستحقونه من الحب والالتزام بالمواعيد وإعطائكن أولوية على كل شيء آخر. شكراً لوجودكن في حياتي لأنكن تعطوني الكثير من الأمل. 

قرأت لكم - موت صغير


يغلب على نشاط مثل القراءة أن يكون نشاطاً فردياً، لكن مناقشة كتاب ما بشكل جماعي يضفي بُعداً آخر ليس فقط للكتاب نفسه، وإنما لمن نناقش معهم وحتى المكان الذي يتم فيه النقاش.
في محاولة طموحة للالتزام بتقليد شهري صغير هذا العام، قررنا الاتفاق على قراءة كتاب واحد شهرياً والالتقاء في مكان هادئ وأليف لمناقشته. نجحنا الشهرين الماضيين في قراءة معذبو الأرض لفرانز فانون، وكتاب موت صغير لمحمد حسن علوان. وحتى نلتقي في شهر آذار الحالي؛ الآتي بعد الاقتباسات التي أعجبتني من كتاب "موت صغير":





حمية رقمية


منذ حوالي أكثر من شهر التزمت بحمية يراها كثير ممن حولي قاسية. ليست حمية غذائية لخسارة الوزن، وإنما حمية رقمية. حميتي الرقمية عبارة عن فصل الانترنت عن هاتفي الذكي ساعتين (على الأقل) قبل النوم، وساعتين بعد الاستيقاظ. وإغلاق الاتصال بالانترنت في حال كنت خارج المنزل. ودعوني أخبركم .. لا أزال على قيد الحياة، والحياة سعيدة والحمد لله. لم أفقد أحد حواسي، ولم يفتني أمر مهم، لم أخسر أحد أصدقائي ولم يحدث أي طارئ يجعلني أندم على الالتزام بهذه الحمية المريحة.

الذي حصل أنه في الفترة التي سبقت الشهر الذي بدأت فيه الحمية، شعرت بخواء غريب. بحكم أني لا أزال أبحث عن عمل في هذه المرحلة، ولديّ متسع نسبي من الوقت، كان لدي الكثير من الفرص لتصفح الانترنت بشكل عشوائي وعلى غير هدى. فقدت قدرتي على التحكم بالمدخلات التي تخترق دماغي وجهازي العصبي، ولم أعد أسيطر على المحتوى الذي يتسلل إلى حياتي. وكأنني كنت أُستدرج لقضاء المزيد من الدقائق والساعات على تطبيقات هاتفي الذكي.

حاولت أن أستعيد توازني بإلغاء تطبيق تويتر على هاتفي الذي كنت أتابع فيه بصمت. شعرت أنه كان يسمم حياتي، ويصيبني بخيبات أمل متكررة في كل مرة كنت أتصفحه بعشوائية. شككت باختياراتي لمن أتابع من المغردين، أو بالأوقات التي أتفقده، لكن الحقيقة كانت أن كمية الهراء والعنصرية، والشتائم والتعليقات المتهكمة، حتى الكوميديا السوداء لما يحدث في العالم من حولنا تفوق طاقة تحملي. قررت أن أحتفظ بحسابي، وأن أفتحه في فترات متباعدة من حاسوبي المحمول، وأن أقرأ بأثر رجعي تغريدات الأشخاص الذين تهمني آرائهم بالفعل.

ردة الفعل الحاسمة التي طالت تطبيق تويتر على هاتفي لم تصل إلى انستجرام، فانستجرام هو تطبيقي المفضل. لكن للأسف حتى انستجرام ليس معصوماً من الهراء. في فترة انتقالية - حرجة قليلاً - من حياتي لست بحاجة لرؤية "مؤثرين" فهموا الحياة وحققوا "النجاح"، يستعرضون ملابسهم الأنيقة، وزيجاتهم السعيدة ويعظون الآخرين ليصلوا إلى ما وصلوا إليه.
لا، شكراً جزيلاً ..صدقوا أو لا تصدقوا حتى "النجاح" مفهوم نسبي، وهناك كثيرون يشعرون بالامتعاض من نسخ "النجاح" التجارية المليئة بالاستهلاكية التي تروج لأهمية رأسمال بشكل مباشر أو غير مباشر في صور ملتقطة بعناية لمنتجات، وعلامات تجارية، وأماكن وأزياء سطّحت مفهوم الإنجاز والحجاب والصداقة وحتى أكثر الأمور حميمية كالأمومة والزواج.

شئت أم أبيت، مع كل التحري والانتقائية في اختيار الأصدقاء الانستجراميين ومن أتابع من الحسابات، كان ينفذ إلى شاشة هاتفي ما لا أرغب برؤيته. كنت أشعر أنه فخ، يقع فيه من يختار إمضاء وقت كبير على تلك التطبيقات الجذابة. وبت ألاحظ أني أقل رضىً وأكثر ملاحظة لتفاصيل لم تكن تهمني في السابق.
في السنة الماضية قطعت أشواطاً كبيرة؛ أكاديمياً وفكرياً واجتماعياً وحتى ونفسياً، ولم أشأ التراجع. أحسست أن علي أن أمسك زمام المبادرة من جديد وأستدرك الانزلاق في ذلك الفخ.

المنطق وراء هذه الحمية  هي القدرة على التحكم. التحكم بالمدخلات غير المتوقعة التي تخترق العقل والقلب والروح والتي تؤثر على مشاعرنا وأحاسيسنا المترتبة على ما اختار آخرون مشاركته على حساباتهم. وكما تقول صديقتي نور؛ الأمر بمثابة فتح باب المنزل لمن هبّ ودبّ والقول لهم تفضلوا على منزلي و قولوا لي كل ما ترغبون قوله سواء كنت مهتمة أو غير مهتمة، وأنا سأتحمل مسؤولية إدخالكم على حياتي وخرقكم لوقتي الخاص والتفاعل (إيجاباً أحياناً وسلباً في أحيان أخرى) على ما يحدث معكم.

ما يحصل هو ليس إنكاراً للآخر. بالطبع لا أستطيع الإدعاء أن المحتوى الذي لا يروق لي ليس موجوداً في هذا العالم. لكن ما أستطيع فعله التقنين في أن لا أجعله مسيطراً على حياتي وأفكاري، وأن أقلل من نفاذه إلى عقلي خصوصاً في الأوقات الحرجة، كالساعات الأولى بعد الاستيقاظ والتي تتحكم بالمزاج العام والطاقة لبدء اليوم، أو في الساعات الأخيرة قبل النوم والتي تؤثر على الجسم ونوعية النوم وحتى الأحلام!

بعد شهر من الحمية أستطيع أن أقول أني أكثر اتزاناً وسعادة ورضى.

الذي حصل أني بدون مبالغة أضفت أكثر من ٤ ساعات إلى يومي. تحسنت نوعية الوقت الذي أقضيه مع عائلتي، والتزمت بالكثير من الأمور التي كنت دائماً أجد صعوبة بالالتزام بها كصلاة الضحى، والورد اليومي من القرآن الكريم وأذكار الصباح والمساء. لدي متسع من الوقت للقراءة والمطالعة بلا تشويش. كما أني لاحظت من هو مدمن ممن حولي على هواتفهم، وكم أصبح من السهل تشتيت انتباه الكبار والصغار! فترات التركيز أقصر والجميع ملتصق بهاتفه وكأنه امتداد لجسمه، جزء لا يتجزأ من اليد.

لا أريد شيطنة تلك الأجهزة أو التهويل من مخاطرها، لكن هناك أزمة حقيقية تحدث بسبب سوء استخدامها.
على سبيل المثال؛ أليس ألف باء آداب الحديث هي ألا تقاطع من يتكلم معك؟ ومن حسن الاستماع الاصغاء لما يقوله محدثك دون الانشغال بشيء أثناء الحوار؟
لاحظت أن أقرب الناس إليّ، وأكثرهم لطافة يتفقدون هواتفهم ونحن في منتصف الحديث. كلما أمسك أحد هاتفه/هاتفهها ونحن نتكلم أصمت بالطبع، أجدها قلة احترام كبيرة، والأنكى أنه أحياناً يستغرقهم أكثر من ١٠ ثوانٍ من الصمت حتى يدركوا أننا توقفنا عن الحديث .. وهل تصدقون أنه في غالبية الأحيان لا يعتذرون؟! بصراحة أجد الأمر محزناً. إن أتفه الإشعارات على هواتفهم أكثر أهمية بالنسبة إليهم من حوار مع الجدة، أو ابن العم الصغير أو صديق/صديقة نراهم في فترات متباعدة.

ربما تعتقدون أني "زوّدتها" وأن الأمر لا يحتاج لكل هذا .. لكن الآتي أرقام ربما تجدونها صادمة لأين وصلنا في علاقاتنا المرضية مع هواتفنا الذكية:



لمصادر الاحصائيات:

يوم غائم في اللويبدة


هل تعرفون رواية "يوم غائم في البر الغربي" لمحمد المنسي قنديل؟
قرأتها منذ بضعة سنوات وأكثر ما أعجبني فيها عنوانها. أليس عنواناً موفقاً؟ فيه تمهيد بصري للحكاية يدفعنا للتخيل بمجرد رؤية الغلاف. أتخيل سماءً غائمة ونسمات قوية من الهواء وبحراً وأمواجاً ومشهداً تتفاوت فيه درجات الأزرق والرمادي.
بدون البحر والأمواج، ذكّرني مشوار حديث للويبدة بعنوان تلك الرواية.


لم يكن ذلك اليوم غائماً فقط، بل كان ماطراً أيضاً.
هيبة المطر التي تجعل الدنيا أكثر سكينة، والشوارع أقل ضجيجاً، والأشجار أكثر نظافة وانتعاشاً.



يمكن التغاضي عن مسحة الحزن أو الكآبة التي ترافق الغيمات الرمادية، والتفكير بأهمية المطر في إطالة أمد الربيع والأيام الكثيرة الجافة التي تنتظرنا في الأشهر القادمة.


وتبقى أيام الشتاء المتبقية فرصة لطيفة للكنكنة والقراءة ومعانقة الأكواب الساخنة، والتلذذ بالحلويات المشربة بالقطر والسعرات الحرارية.



اقتباس - لماذا نقرأ





"لا تقرأ من أجل المعارضة والتفنيد، ولا من أجل الإيمان والتسليم، ولا لأجل جلب الحديث، ولكن اقرأ لكي تزن الأمور وتتمعن فيها.
إن بعض الكتب ينبغي أن يُذاق، وبعضها يجب أن يزدرد، والبعض القليل خليقٌ أن يُمضغ ويُهضم ... ذلك أن بعض الكتب ينبغي أن يُقرأ منها شيء، وبعضها ينبغي أن تُقرأ ولكن ليس بالحرص التام، وقليلة هي تلك الكتب التي يجب أن تقرأ كاملة وبكامل الاجتهاد والانتباه".


- فرانسيس بيكون، المقالات.






جمعة شتوية مشمسة


بعد عدة أسابيع غائمة وباردة ودعاية متكررة لمنخفضات مثلجة لا تصل أبداً، يقولون أننا سنحظى بأيام مشمسة هذا الأسبوع، وهذا يجعلني متشوقة جداً للربيع. أفرك كفيّ حماسة لرحلات قادمة، ومسارات مشي طويلة، ولرؤية شيء من الغطاء النباتي وأشجار حرجية وأزهار برية وأعشاب خضراء فاقعة بعيداً عن ضوضاء المدينة (أو شبه المدينة).
أحتاج لشيء أتطلع إليه بعد هذا الشتاء - العصيب قليلاً- .



قضيت اليومين الماضيين في المنزل مستمتعة بأشعة الشمس التي تنسل من زجاج النوافذ، وأنجز بعض المهام. أحرر صوراً التقطتها لحفلة صديقتي العزيزة نور، وأرتب غرفتي وأكتب الرسائل وأقرأ في بعض الكتب المركونة بجانب سريري.
لا يبدو ذلك سيئاً، أليس كذلك؟ :)






مسؤولية المثقف


قامت صديقتي بإعارتي كتاب "مسؤولية المثقف" منذ فترة. شعرت بنوع من الإطراء أنها أحضرت لي الكتاب وظنّت أن علي أن أقرأه. بصراحة عنوانه يوحي لي بأنه من الكتب التي يمكن أن أقرأها في مراحل لاحقة، ففي حال كنت وجدته في معرض الكتاب على سبيل المثال فإني سأشعر أن شرائي ذلك الكتاب تصرفٌ فيه كِبر خفي (أو ربما جليّ) وشعور بالنخبوية .. حسناً، ربما تلك مغالاة في التفكير. بكل الأحوال قرأت الكتاب، فهو من صديقة عزيزة، وتأليف علي شريعتي، كما بدا لي كتاباً سريعاً لنحوله النسبي.


“مسؤولية المثقف” هو الكتاب الثاني الذي أقرأه لعلي شريعتي بعد “النباهة والاستحمار”. الكتاب كتاب فكري يتناول قضايا ذات صلة بعلم الاجتماع. كتب مقدمة طبعة دار الأمير أحد علماء الاجتماع في إيران وهو الدكتور غلام عباس توسلي. جانب توسلي التوفيق عندما أطال في قرابة ال ٤٠ صفحة في التقديم لشريعتي، في الوقت الذي كان متن الكتاب لا يتجاوز ال ١٥٠ صفحة. 

على الرغم من أن عدد صفحات الكتاب قليل نسبياً، إلا أن شريعتي تمكن من تقديم محتوى فكري أصيل ودسمٍ. أستطيع أن أتخيل كم كان هذا العمل ريادياً ومستحدثاً في الوقت الذي كتب فيه الكتاب. واللافت أنه لا يزال ذا صلة وثيقة بالحاضر، ولا أرى محتواه لاغياً أو غير صالح في المستقبل أيضاً، فهو يصلح أن يكون من الكلاسيكات. 

تدرج الكاتب في طرح أفكاره بشكل منطقي ومتسلسل، فقدم خلفية تاريخية، واستخدم المقارنة والمقاربة وتدريجياً بنى نظرياته الخاصة بالاستناد على ذلك. بدأ الكتاب بتناول ظهور طبقة المثقفين وكيفية نشأتها في أوروبا في القرن السابع عشر، والسمات التي كانت تتصف بها تلك الطبقة، ثم ناقش إمكانية نشأة طبقات موازية في أماكن مختلفة في العالم وفي أزمنة مختلفة في ظروف تتشابه أحياناً وتختلف في أحيانٍ أخرى. كما طرح موضوع مسؤولية المثقف، صلته بمجتمعه والدور الذي عليه أن يلعبه فيه. 
أحببت الجزء الأخير من الكتاب الذي خُصص لتوثيق محاضرة لشريعتي أجاب فيها على أسئلة الحاضرين. الأسئلة كانت جيدة وعميقة والإجابات كانت قوية كذلك.

في العادة أشارك الاقتباسات التي أعجبتني في الكتب التي أقرأها. وجدت نفسي مع كتاب “مسؤولية المثقف” معجبة باقتباسات طويلة لم أستطع تجزئتها أو اقتطاعها لكي لا أفسد الفكرة. التالى بعضة اقتباسات مما قرأت:


“ توجد اليوم نظرة عالمية ورابطة عالمية، فكيف يصح الحديث عن القومية والاعتقاد بها؟
إن هذه القومية التي أؤمن بها ويؤمن بها أمثالي ليست القومية التي بدأت نشاطها بمقاومة الحركة العالمية، وليست انغلاقاً على الذات وبُعداً عن العالم، لا تعني الابتعاد عن الذين يعانون آلامي أو يعتنقون نفس أفكاري لكنهم  ليسوا في إطار قوميتي. والقومية بمعناها الكلاسيكي عبارة عن: الاستناد على خصائص قومية وعرقية، لكن القومية التي أنادي بها لا تعني هذا، القومية التي أؤمن بها هي الاستناد على الشخصية الثقافية والروحية للذات والوطن، وهي مختلفة، ومن يستند على الخصائص العرقية والقومية ليس مسلماً، ولا يمكن أن يعتنق مسلم هذا المبدأ، هذه جاهلية وفاشية. لكن ذلك الذي يستند على ثقافته و روحانياته وشخصيته الاجتماعية إنما يقوم بعمل إنساني في مرحلة بشرية، ففي زمن ما أكون مرتبطاً بمجتمع خاص، فمن الناحية القومية أنا مرتبط بإيران، ومن الناحية الدينية أنا مرتبط بالإسلام وأملك هذا التاريخ الخاص والثقافة الخاصة. والآن نرى بأنني وأمثالي في كل المجتمعات من إسلامية وغير إسلامية قد أصبنا بنوعٍ من التمزّق والانفصال عن ثقافتنا القومية وعن شخصيتنا القومية، أي صرنا بشراً بلا شخصية، لأن شخصية الفرد عبارة عن الاسس التي يأخذها من تاريخه وثقافته ، هذه هي خلاصة الشخصية الاجتماعية، وعندما أصبح غريباً عن ثقافتي وديني وتاريخي فإنني أفقد الشخصية الإنسانية. وحين أكون بلا ثقافة أو شخصية قومية بالمعنى الذي قلته وبلا تاريخ وبلا دين، أي فرداً خالياً من المحتوى وبلا أساس روحي، فاقداً للتمييز والمنطق وقدرة الاختيار، وأشركت نفسي مباشرة في حركة عالمية، حركة فكر إنسانية، فمن الذي سوف يستفيد من هذه الشراكة في الفكر العالمي أو فكر المساواة الإنسانية؟ بالطبع هو الذي يملك كل شيء ، عندما يريد فقير لا رأسمال عنده ولا شخصية أن يمد يده المساواة والأخوة إلى إنسان يملك كل شيء، ويملك قدرة الاختيار والقوة والشخصية، فأي يد المساواة تكون هذه اليد؟ هي يد سيطرة من يملك على من لا يملك. “



“ سائق سيارة الأجرة في فرنسا الذي يعمل سبع ساعات ويضطجع سبع عشرة ساعة، وكل أموره مؤمنة ومضمونة، هل وصل إلى هذا الأمر من ساعات عمله؟ أم من نهب إفريقيا؟ مما يبعون البندورة في نفس باريس بخمسة قروش لكل كيلو لأنهم يجلبونها من إفريقيا. مما اكتروا غابات البن في تشاد مجاناً، أربع إفريقيين يعملون له البن هناك، وهو يدفع خمسين توماناً وبعد أيام يربح خمسة ملايين تومان، وبعدها يقول أن رب العمل كان منصفاً فقد أعطى لهم مالاً كثيراً. إنه لم يعطه من كيسه الخاص وإنما من يعطي المال المنهوب وليس من ماله.”

أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ


بعد انقطاع لأسباب متعددة، بعضها يعود للترهل والتسويف و بعضها الآخر قاهرٌ وخارج عن إرادتي، أعود لفسحة التدوين اللطيفة التي افتقدتها وبشدة الفترة الماضية.


كان لدي خطة طموحة للمباشرة بداية هذا العام والتدوين بانتظام لكن جسمي أعلن الاستنفار منذ عدة أشهر وأدخلني حالة الطوارئ منذ أسابيع قليلة. كانت تجربة المستشفى غريبة حقاً، وسأعفيكم من منشور مكرر آخر بجمل قد تبدو مستهلكة عن قيمة الحياة، وأهمية الصحة ومباغتة المرض وعدم التأجيل ظناً منا أننا نمتلك الكثير من الوقت ... هذا لا يعني أنني لم أخرج بتلك الدروس القيمة من أزمتي الصحية. لكن للأسف، أميل للتفكير أن دروساً كهذه لا نحصل عليها إلا من "كيسنا". مهما قال لنا الآخرون ونصحونا لن نشعر ب "الحامي" حتى تسود حياتنا حالة من الترقب المضطرب لا تكون فيها النهايات السعيدة مضمونة. عندها ندرك أننا فعلاً لا نملك متسعاً من الوقت، والتأجيل وطول الأمل يبدوان لنا ضرباً من السذاجة.

اختصاراً لكثير من التفاصيل سأكتفي بالقول أني بخير وصحتي في تحسن الحمد لله. إن شاء الله أنها أزمة وعدّت خرجت منها بعدة ملاحظات وانطباعات:
  • بالإضافة إلى أن القطاع الطبي متخبّط ومتفاوت في درجات المهنية والإنسانية، لا داعٍ لإحاطة الأطباء بهالة إضافية من التقدير والاحترام. 
  • الموروث الشعبي وتجارب الآخرين أكثر إفادة وبعثاً على الطمأنينة من الطب الحديث.
  • يُستفزّ الأطباء من وعي المريض/المريضة في حال بحثوا عن أمراضهم، أو قرأوا عنها أو شاهدوا برامج وثائقية. 
  • يستغرق الوصول إلى التشخيص الصحيح وقتاً أطول من المتوقع. تشخيص مثل: توتر، نفسية، قولون هو الطريق المختصر الذي يحصل عليه عشرات (إن لم يكن مئات أو حتى آلاف) المرضى يومياً. لذلك علينا أن نثق بحدسنا وأن نصغي لأجسامنا ونلاحظ الأعراض المتكررة. 
  • في باطن المحن رحمات كثيرة. مشاعر عذبة نراها في الأعين القلقة لمن نحب، ورسائل الاطمئنان شبه اليومية من الأهل والأصدقاء، وباقات أنيقة من الورد وأحواض نباتات يانعة.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...