ص. ب


بالإضافة إلى حجرات الهواتف الحمراء والتاكسي الأسود والباص الأحمر ذي الطابقين، يعتبر صندوق البريد الأحمر المنتشر في شوارع لندن أحد الأيقونات الأساسية للمدينة.


على عكس حجرات الهواتف الموجودة فقط للزينة، فإن الصناديق الحديدية الصلبة لا تزال لها قيمة وظيفية لسكان المدينة ومستخدمي البريد.
نظراً لتجربتي مع البريد الأردني، ولأني لم أكن أرى موظفي البريد يفرغون الصناديق خلال النهار بدا لي وضع رسائلي في تلك الصناديق البريدية كرمي كلماتي في المجهول. لكن تبين أن الموضوع جدير بالثقة لأن العاملين في البريد يفرغون تلك الصناديق بشكل دوري ومنتظم.


ونظراً لوجود الكثير من المتحمسين لفكرة التراسل، واحتفالاً بوصول عدد المتابعين على حسابي على الانستجرام إلى خمسة آلاف متابعة ومتابع (شكراً جزيلا!)، اشتريت خمس بطاقات بريدية ظريفة على شكل صندوق بريد لندن.


سأحتفظ بواحدة منها للذكرى، وأعرض الأربعة الباقية على أربعة أصدقاء راغبين بالحصول على بطاقة بريدية لهذه الأيقونة اللندنية.
إن كنتم تودون الحصول على واحدة اكتبوا تعليق على هذه التدوينة توضحون فيه متى بدأتم المراسلة ولماذا تحبون التراسل البريدي قبل يوم  السبت الموافق ٢٩ من تموز. سأقوم بعمل سحب على حسابي على الانستجرام يوم الأحد الموافق ٣٠ تموز والتواصل مع الفائزين لأخذ عنواينهم البريدية.

شروط الاشتراك في المسابقة:
١. أن يكون لديكم عنوان بريدي
٢. أن تكونوا متابعين للمدونة
٣. للحصول على فرص إضافية في السحب، يمكنكم مشاركة الرابط على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى (انستجرام، تويتر، فيسبوك) وكتابة أنه تمت المشاركة في تعليق منفصل.
٤. المسابقة مفتوحة لجميع سكان الكرة الأرضية :)


رائحة الخزامى


٢٥ هكتار من الأزهار البنفسجية المعطرة، انتشرت في صفوف متوازية تشكل طبقات وطبقات من الجمال والرائحة العطرة. الكثير من النحل والعديد من الوجوه السعيدة من مختلف الأعمار انتشرت على امتداد الحقل المفتوح للعامة مقابل جنيه استرليني واحد "دخولية".


يفتح الحقل أبوابه من منتصف شهر حزيران حتى شهر أيلول، ويقال أن أفضل وقت لزيارته هو شهر تموز لأن الأزهار تكون متفتحة ويانعة.


لا أدري ماذا كان المبهر أكثر في حقل الخزامى؟ اتساعه وامتداده على مد البصر؟ حجم الحقل الشاسع؟ رائحته الزكية؟ أم طاقة المكان الإيجابية لأن كل من كان موجوداً كان سعيداً بشكل غريب، أو ربما الألفة الموجودة في الحقل.


ربما أشرت في تدوينات سابقة أن الأماكن الأليفة تأسرني. والمكان الأليف هو المكان الذي يستطيع أن يذهب إليه أي إنسان ولا يشعر بأي شكل أن المكان غير مناسب لعمره، أو خلفيته، أو معتقداته، أو طبقته الاجتماعية أو احتياجاته الخاصة سواء كانت ظرفاً صحياً، أو مشكلة حركية، أو غيرها.




بالإضافة إلى الأزواج الشابة الذين يلتقطون صور تذكارية من فترة خطوبتهم، والعائلات المصطافة القادمة من مختلف أنحاء العالم، هناك أيضاً الكثير من الأطفال الصغار بملابس صيفية زاهية مع أمهاتهم المرهقات اللواتي تبدو عليهن قلة النوم وأقاربهم المتحمسين لالتقاط صور لهم لوضعها في غرفة الجلوس أو على معايدة عيد الميلاد القادم :)


بالطبع المشروع ليس قائماً فقط على زواره الموسميين فترة الصيف. هناك أيضاً منتجات عديدة تباع في المطعم الصغير الملحق بالمكان، ومتجر فيه صابون وعطور وأزهار مجففة وأشتال.
وبالنظر إلى حجم الحقل وكثرة الأزهار والنحل، أتوقع أن يكون هناك محاصيل تجارية من العسل والزيوت العطرية وغيرها.


إن كان هناك أي مستثمر يرغب في عمل مشروع مشابه في الأردن بأنا مستعدة لمشاركته :)

هيا نتراسل


في آخر زيارة لكم إلى مكتب البريد، من الأرجح أنكم وجدتم طابوراً من المراجعين الذين يريدون دفع فواتير الماء والكهرباء، و قد تجدون بين الفنية والأخرى طالبة جامعية تسأل عن إرسالية بريدية لها لأغراض تم شرائهم من أحد المواقع الإلكترونية. إلا أن ذلك لا يعني أن "مكتب البريد" لم يعد مكتباً بريدياً؛ فعلى عكس ما يتصور كثير من الناس، لا يزال هناك العديد من الأشخاص الذين يتواصلون بالرسائل الورقية والبطاقات البريدية. 


على مدى الأشهر (وحتى السنوات) الماضية، سئلت كثيراً عن هذه الهواية العزيزة على قلبي. في هذه التدوينة سأرد على أكثر الأسئلة تكراراً، وفي حال كان لديكم المزيد من الأسئلة، رجاء لا تترددوا بكتابة أسئلتكم في التعليقات.


- لماذا التراسل البريدي؟
لأنه وسيلة أصيلة ومناسبة للذين يشعرون بالنوستالجيا لزمن لم يعرفونه. الزمن الذي يجلس فيه الأصدقاء والأحباب ويخصصون وقتاً لكتابة مشاعرهم وأفكارهم على الورق، تسافر كلماتهم ليس فقط جغرافياً من مكان لآخر، وإنما تسافر بالزمن أيضاً. لا تتناثر في الأثير التكنولوجي وإنما تبقى ذكرى محفوظة إلى جانب ألبومات صور الطفولة وذكريات الماضي التي اختارت الذاكرة أن تكون انتقائية وتسترجع منها الجميل فقط.
من جرّب التراسل البريدي يعرف لذة الترقب الذي يرافق وصول مكتوب ما، وتلك الفرحة عند فتح الصندوق البريدي ورؤية المظاريف أو البطاقات البريدية الملونة مزدانة بالطوابع والكلمات اللطيفة. ناهيك حماسة فتح الرسالة وقراءة الصفحة الأولى .. التاريخ، الجملة الافتتاحية، المحتوى بأكمله كتب خصيصاً لكم.

- "ما هو العنوان البريدي"؟
في بعض الدول يكون عنوان المنزل هو نفسه العنوان البريدي. يكون هناك خدمات بريدية وساعي بريد معين لكل منطقة يقوم بتوزيع الرسائل والطرود بعد فرزها من البريد المركزي، كما هو الحال في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول المغرب العربي. 
أما عن الدول الأخرى - والأردن منها - يقوم الأشخاص المهتمون بالاشتراك بالبريد مقابل رسوم سنوية وعليهم الذهاب إلى مركز البريد وتفقد صناديقهم شخصياً كل فترة. العنوان البريدي يكون في هذه الحالة رقم الصندوق في مكتب البريد والرمز البريدي للمنطقة التي يقع فيها المكتب بالإضافة إلى اسم المدينة واسم البلد.
مثلاً الرمز البريدي للمدينة الرياضية يختلف عن الرمز البريدي لتلاع العلي. غالباً ما يقوم الأفراد بالاشتراك بمكاتب البريد القريبة من بيوتهم ويمكن أيضاً استخدام العنوان البريدي لمكان العمل (في حال وجود عنوان بريدي للشركة أو المنظمة).

- من تراسلين؟ كيف تعرفت على أصدقاء المراسلة؟
لا تقتصر المراسلة على إرسال رسائل لمن نعرفهم فقط. من اللطيف تبادل رسائل مع غرباء يصبحون أصدقاء مع الزمن.
ساعدني انستجرام على إيجاد شبكة من الأشخاص المهتمين بالتراسل من أنحاء العالم. وسوم خاصة بالبريد مثل snailmail, postcardswap, penpalsneeded وغيرها تعرفكم على أشخاص لديهم نفس الاهتمام. في البداية يجب أن تكونوا مبادرين وأن تسألوا أصحاب تلك الحسابات إن كانوا يرغبون بتبادل الرسائل معكم، وبعد فترة ستلاحظون أنكم بدأتم بتلقي تلك الطلبات أيضاً.


- ماذا ترسلين إليهم؟ ماذا تكتبين؟
يعتمد محتوى الرسالة على درجة المعرفة. في المراحل الأولى تكون الرسائل تعارفية عن الاسم والعمر، المهنة والهوايات والمدينة التي يسكن فيها مرسل الرسالة. المدن والبلدان تأخذ حيزاً لا بأس به، وهو أمر لطيف لأنه يعرّفنا على مدن جديدة (غالباً ما تكون غير سياحية أو ذات صيت) بعيون سكانها المحليين من خلال وصفهم للحياة اليومية. ويعتمد على التفضيلات الشخصية فيما بعد على ما ترغبون بمشاركته مع "أصدقائكم" الجدد. هم أصدقاء لكنهم غرباء وهناك أمر باعث على الراحة في ذلك، أشخاص بلا أحكام مسبقة أو توقعات لديهم رغبة بسماع ما تريدون قوله ومشاركتكم بأمور من حياتهم الشخصية أيضاً.
أحب في العادة أن أرسل مع الرسائل بطاقات بريدية عليها اقتباسات قرأتها وأحببتها، ومن المثير للاهتمام أني في كثير من الأحيان أحصل على ردود لطيفة بأن توقيت الاقتباس كان مواتياً لأن المرسل إليه\إليها كان يمر في مزاج يحتاج فيه لسماع (أو بالأحرى قراءة) تذكير أو نصيحة أو إلهام كالذي وصله \وصلها ذلك اليوم.

ومن المتعارف عليه أيضاً عند السفر أن يرسل الناس بطاقات بريدية من الأماكن التي زاروها، وغالباً ما تكون تلك الأماكن سياحية جداً (ولا تكون البطاقات البريدية مميزة كثيراً، صور لمناظر من تلك المدن)، ولا داعي لأن توضع في ظرف، يمكن أن ترسل مباشرة، فقط على المرسل أن يكتب عنوانكم البريدي ويضع الطوابع المناسبة.


اللطيف في البطاقات البريدية السياحية نقطتان:
١. فكرة أن الشخص تذكرك في سفره \سفرها
٢. الطوابع البريدية لذلك البلد

- كيف ترسل الرسائل؟
لنتحدث الآن عن الجوانب التقنية؛ الموضوع بسيط، فقط علينا أن نعرف كيف نكتب العناوين البريدية. هناك طريقتان:
١. يمكن كتابة اسم وتفاصيل المرسِل على وجه الظرف وعنوان المرسَل إليهم على الظهر


٢. أو يمكن كتابة كل من عناوين المرسِل والمرسَل إليهم على نفس الجهة وهي "ظهر" الظرف

عنوان السكن هو العنوان البريدي

العنوان البريدي (في أحد مراكز البريد)
أتمنى أن تشجعكم هذه التدوينة على دخول عالم التراسل البريدي :) وكما أشرت سابقاً، إن لديكم أي أسئلة أخرى، رجاء لا تتردوا في السؤال. 

تشيلسي

لاحظنا مؤخراً أن لكل منطقة في لندن طابع خاص. لا يوجد اختلافات جوهرية في العمارة وتصميم الشوارع لكن هناك "مزاج" خاص للمكان. تركيبة السكان في العادة تختلف بشكل مرئي (طلاب، مهاجرين، جاليات معينة) وحتى مسموع من حيث اللهجة (!)
الصور التالية من منطقة تشيلسي التي ذهبنا إليها لأول مرة لاكتشاف أحيائها ورؤية منازلها ومقاهيها.











"حلم طفولتك تحقق..!"


هل تعلمون تلك القصص العائلية الكلاسيكية التي تعاد مئات (وربما آلاف) المرات، في كل مناسبة وعيد وزيارة للأقارب أو المعارف أو الأصدقاء؟ نعرف البداية ونعرف النهاية والأحداث والتفاصيل لكننا في كل مرة نستمع لها باستمتاع ونبتسم بلا تكلف لراوي تلك القصة؟ أحد قصص الفلكلور العائلي التي تخرج من الأرشيف "لمّا تيجي السيرة" هي حبي الطفولي الجارف للفراولة. تبدأ القصة ب"كانت الدنيا رمضان، وكانت روان صغيرة .. ربما ٥ أو ٦ سنوات".


جاء أبي من أحد المزارع التي كان يشرف عليها بحكم عمله كمهندس زراعي حاملاً صندوقاً كبيراً أو ما يسمى "قفص" يحتوي على ٦ صناديق صغيرة من فراولة طازجة لامعة وشديدة الحمرة مقطوفة قبل ساعات قليلة من وصوله للبيت. وصل أبي قبل آذان المغرب بحوالي نصف ساعة، وضع القفص على الطاولة وذهب ليغسل يديه، أمي ذهبت معه لتسأله عن يومه، فقد كانت جاهزة وأنهت ما عليها من تحضيرات، كانت فقط تنتظر كلا من الآذان وأبي حتى نباشر نتاول الطعام. رضا وحميد لم يكونا في المشهد، كنت وحيدة أنا وتلك الفراولات اللامعة على الطاولة. أرى الفراولة حمراء يانعة تحدق بي ورائحتها الزكية التي لم تقتلها أجهزة التبريد تفوح في مطبخنا الصغير. كنت صائمة، صيام رسمي فقد كان التوقيت شتوياً وكان النهار قصيراً نسبياً وكنت قد اجتزت مرحلة صوم العصفورة وصوم درجات المئذنة في ذلك الوقت.
لكن الإغراء كان أقوى من أي شيء في تلك اللحظة. توقف عقلي عن العمل وانجرفت غريزياً وأكلت واحدة من تلك الفراولات قبل دقائق من الآذان بدون تفكير. دخل أبي وأمي على مطبخ وانفجرا بالضحك. لم أرتبك حتى أو أغير من وضعيتي أو أخفي الفراولة نصف المأكولة بشكل لا شعوري .. لا لم أفعل ذلك. لم يبدو لي ما فعلت خاطئاً ذلك اليوم.
وعلى الرغم من أن صيامي كان أكبر إنجازاتي على الإطلاق في تلك الفترة ومصدر فخر عائلي يردد على مسامع الجدات والأقارب والجيران، لكن عشقي للفراولة في ذلك السن بدا ظريفاً لوالدي حتى أنه لم يقتصر على أن يكون قصة ذلك الرمضان، وإنما دخل بقوة لأرشيف القصص العائلية ومنذ ذلك اليوم أصبح حبي للفراولة مضرب مثل.


وبعد أكثر من عقدين على تلك القصة، اقترحت صديقة بريطانية الذهاب إلى حقل توت وفراولة لقطف الفاكهة. جرت العادة في بريطانيا أن تفتح بعض المزارع أبوابها في أوقات معينة في الصيف للكبار والصغار لقطف بعض المحاصيل ومن ثم الدفع حسب الوزن عند الخروج. هو نشاط لطيف خصوصاً للأطفال والعائلات ويدر على المزارع بعض الدخل ويوفر تكاليف الأيدي العاملة والنقل.





 ذهبنا هناك في يوم صيفي مشمس وقد كانت فكرة رائعة بلا شك. اتضح أن قطف التوت يحتاج لبعض الدقة والوقت لأن اللون لا يعكس نضوج وحلاوة الثمرة وإنما سهولة أخذها من الكوز وانزلاقها بسلاسة دون الضغط عليها وسحقها وانتشار عصارتها في كل مكان.


أما حقل الفراولة فقط كان رائعاً ورائحته كانت لا توصف!


سأحاول أن أصف وأقول: رائحة الحقل كان حلوة، ليس حلوة بمعنى جميلة بل حلوة من الحلاوة كمذاق. أعرف أن الحلاوة مقرونة بحاسة التذوق لكني استشعرت الحلاوة بحاسة الشم ذلك اليوم. وكأننا في بيت عائلي عملاق فيه ثلاث أجيال يصنعون أطناناً من مربى الفراولة المنزلي.


عندما هاتفت أمي في نهاية اليوم وأخبرتها، فرحت وقالت لي: "كان أمامك حقل كامل من الفراولة؟ حلم طفولتك تحقق !"



ما تعلمته هذا الرمضان


كما ذكرت في تدوينة سابقة، كان هذا رمضاني الأول بعيداً عن عمان والأهل والأصدقاء. وكما هو متوقع، كان مختلفاً جداً ومميزاً، فرصة مواتية لزيارة المساجد الموجودة في لندن، وسماع الأذان وإقامة الصلاة والصلاة في جماعة.


كما كان حدثاً اجتماعياً ظريفاً شعرت أنه ألّف بين قلوب الجالية المسلمة وجمع شملها، خصوصاً وأنه - للأمانة العلمية وبعيداً عن إضفاء رومانسية غير واقعية - لم يكن سهلاً. بعد ١٩ ساعة من الصيام (بين الثانية والنصف فجراً حتى التاسعة والثلث مساء)، لا يوجد أكثر ما هو بؤساً ووحدة من تناول الإفطار بشكل فردي.
الحمد لله كان هناك الكثير من الفعاليات لدرجة أني لم أتناول الإفطار في سكني طوال الشهر الفضيل. تكاتف الطلاب والصديقات والمقيمون والمغتربون واحتوى الجميع الآخر بشكل عائلي وحميم.



أستطيع أن أقول أنه بعد انتهاء الشهر الفضيل خرجت ببعض الأفكار والدروس المستفادة:

- معظم المراتب العالية والتجارب المميزة (روحانياً وأكاديمياً ومهنياً) لا تدرك إلا بالطريقة الصعبة:
القيم المكتسبة على صعيد شخصي في الغربة تصقل جزءاً من شخصياتنا لا نعي له إلا بعد حين. هناك أمور عقائدية على مستوى رفيع تميل لأن تنضج بعد زخم من الفراغ والهدوء والتفكر. من أكثر ما يحضرني "الأنس بالله". يقول أحد الصالحين: "توكل على الله حتى يكون جلسيك وأنيسك وموضع شكواك". وقال ذو النون: "من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه." جاء هذا الرمضان غير التقليدي - من غير العائلة (من غير شر!)، وفي بلاد غير مسلمة - ليذكرني بقواعد أساسية غفلت عنها. الصورة الكبيرة راحت عن بالي وانشغلت بتفاصيل يومية أنستني السبب الأول والهدف الأساسي من وجودي في الحياة.


- أهمية التكتلات المجتمعية:
وبهذا أقصد المجموعات التي تتكاتف في ما بينها لوجود ما هو مشترك على مستوع مجتمعي. أفراد تلك المجتمعات ليسوا متطابقين أو صوراً مستنسخة عن بعضهم، على العكس! متنوعون ومختلفون بشكل غني ومثري، ويتفاعلون فيما بينهم بطريقة صحية لأن ما يهمهم ليس الفروقات فيما بينهم، لكن ما يجمعهم من القيم المشتركة.

فهمت أكثر ماذا تعني كلمة "أمة". أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابتسامات مرهقة بعد يوم طويل توزع التمور عند غروب الشمس...
"السلام عليكم" أو كلمات مثل "برذر" أو "سيستر" من أشخاص نصادفهم بشكل عابر في كل مكان، لا نعرفهم لكنهم ليسوا غرباء في قلوبنا...
طعام مشترك على سفرة واحدة، وآمين موحدة في صلاة الجماعة، ورسائل قصيرة تطمئن علينا بعد أحداث محزنة واعتداءات تكتسح "الأخبار العاجلة"...


تقول صديقتي رزان أن الحياة مليئة بهدايا من الله، والعاقل من إذا عرضت عليه هدية من الله، رأها وأخذها. تلك الهدايا لها أشكال متعددة، قد تبدو واضحة للعيان، براقة وجميلة، وقد تكون مستترة ومتنكرة في صورة غربة أو كربة. قد يراها البعض امتحاناً، لكن إن فتحنا قلوبنا سندرك أن في ظاهرها العذاب وباطنها الرحمة، تجارب متنوعة مليئة بالدروس إن اتعظنا منها نخرج أناس أكثر قوة وحكمة وفهماً لأنفسنا ولمن حولنا وللحياة.




لا تؤجل تدوين اليوم إلى الغد


أنهيت امتحاناتي الأسبوع الماضي، وبقي علي الآن كتابة الرسالة. لا أصدق أني على وشك إنهاء سنتي الدراسية. كنت منهمكة جداً في الأشهر الماضية. أشعر الآن وكأنني استفقت من غيبوبة. وكأن هناك دوامة كنت فيها أدور وأدور وفجأة عدّت تلك الدوامة وتجاوزتني .. والآن أراقبها وهي تبتعد عني. أتعرفون ما الغريب؟ أنا حزينة قليلاً لأني أعرف أني سأشتاق لتلك الدوامة.

كنت أنظر للصور التي التقتطها الأشهر الماضية، وأفكر في كل تلك التدوينات المؤجلة التي كنت أنوي كتابتها.


نصيحة للمدونين الجدد: لا تؤجل تدوين اليوم إلى الغد. حتى التدوينات؛ "حلاوتها بحماوتها".
لا أعرف .. هل أحاول ما استطعت التدوين بأثر رجعي؟ أم فأركز فقط على تدوينات حديثة طازجة؟

رمضانيات


إنه رمضاني الأول بعيداً عن عمان والعائلة والأصدقاء.
لدي قائمة تطول عن الأمور الرمضانية التي أشتاق إليها، والطقوس الصغيرة والكبيرة وحتى تلك التي لا أمارسها لكني أعرف أنها موجودة.
استعنت بانستجرام في الأيام الأولى حتى أضع نفسي في الأجواء. ومع تحفظاتي على مواقع التواصل الاجتماعي وعن المقدار الأمثل لمشاركة مقتطفات، أو مشاهدات أو حتى مشاعر من حياتنا اليومية، إلا أنني لا أستطيع أن أنكر دورها في رسم الابتسامة على وجهي وامداد قلبي بالدفء عند رؤية الأجواء العائلية والرمضانية في أماكن مختلفة من العالم. وكأنني كنت بحاجة إلى من يطمئنني وأنا أفتش عن رمضان بكل حواسي هنا في الغربة أن القطايف لا تزال تُحشى بالجوز والجبنة في الأردن، وصلاة التراويح تقام في تركيا، والمقبلات تزين مؤائد إيران، وعائلات الجاليات المسلمة في هولندا، بجميع أفرادها من البشر والحيوانات الأليفة حريصة على استشعار رمضان في منازلها.


من أهم العناصر الرمضانية في تجربتي اللندنية مشروع خيمة رمضان. مشروع لطيف يهدف إلى خلق جو تشاركي مجتمعي يضم المسلمين وغير المسلمين، المقيمين والوافدين، المواطنين والأجانب، الجميع ليتشاركوا أجواء الشهر الفضيل.
























الخيمة مقامة في أحد حدائق لندن ومستمرة طوال الشهر الفضيل. أما عن وجبات الطعام فهي مقدمة من جهات مختلفة كمطاعم أصحابها مسلمون، ومتطوعون ومتطوعات وجهات مانحة أخرى.
حتى موضوع الطعام تجربة ثقافية لندنية زاخرة بالتنوع. فعلى سبيل المثال؛ تناولنا في اليوم الأول كبسة، واليوم الثاني طعام باكستاني، كما قدم مطعم تركي الوجبات في أحد الأيام. أما عن وجبتي المفضلة فكانت مبادرة من عائلة أندونيسية قامت بطبخ كميات هائلة من الطعام الأندونسي (الذي جربته للمرة الأولى في حياتي).
وصدف في ذلك اليوم أن الأعداد التي جاءت للخيمة فاقت التوقعات ولذلك طلب منا أحد القائمين على المبادرة مشاركة الوجبات بشكل جماعي، وكان لذلك أثر جميل على التجربة. كانت أكثر مرة أستمتع فيها بالطعام. كان هناك بركة كبيرة على نية العائلة الأندونسية المكونة من الأب وزوجته وأبنائهما والذين كانوا يتصرفون وكأنهم "المعزّب" في الخيمة :) كانوا طيبين جداً وحريصين كل الحرص على أن يحصل الجميع على طعام كافي.


ليس من السهل استشعار رمضان وأجواء الشهر الفضيل في بلاد لا يوجد فيها غالبية مسلمة. يحتاج الأمر لبذل مجهود لا بأس به لكنه يكون بلا شك مجدياً! خصوصاً في مدينة كبرى تعج بالمهاجرين والزوار والأجانب، تجربة رمضان في لندن تشبه الحج لأنها تذكرنا كمسلمين أننا ننتمي لعائلة عملاقة ننسى أحياناً أننا نتنمي لها. في كل إفطار وفي كل صلاة جماعة وفي كل اجتماع للمجتمع المسلم، لا أستطيع أن أمنع نفسي من الابتسام وأنا أقلب نظري بين الوجوه مختلفة الأعراق والخلفيات. التنوع والاختلاف صفة لصيقة بالإسلام يبدو أننا نغفل عنها.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...